
الآن
قال مرتبكا أكلمه لكنه لا يفهم شيئا
قالت لا يهم الأطفال يحبون سماع صوت الوالدين تحدث إليه
اقترب من السرير متوترا وقال مرحبا يا ابني خرجت كلمة يا ابني غريبة من فمه كأنها لغة جديدة يتعلمها لكن باولو ابتسم كانت ابتسامة صغيرة لكنها واضحة
قال ماركوس مدهوشا لقد ابتسم!
قالت هيلينا ابتسم لأنه تعرف إلى صوت أبيه
استيقظ بيدرو أيضا على صوتيهما لكنه لم يبك اكتفى بمراقبة المشهد بعينين طفوليتين متسائلتين
قال ماركوس أخيرا وهو ينظر إليهما إنهما حقا جميلان
قالت هيلينا يشبهان إيزابيلا عندما تبتسم
قال صحيح لهما عيناها وشكل الوجه وربما طباعي أنا
ضحكت أتمنى ألا يرثا عنادك لكن القليل من العناد جيد يعني أنهما لا يستسلمان بسهولة
بدأ باولو يصدر أصواتا صغيرة ليست بكاء بل كأنه يحاول الكلام
قال ماركوس ماذا يريد
قالت يريد انتباه أبيه يريدك أن تتحدث معه
قال متوترا أتحدث عن ماذا إنه لا يفهم شيئا
قالت لا يهم احك له عن أمه
تردد قليلا ثم قال وهو يقترب من السرير باولو هل تعرف أن أمك كانت أجمل امرأة في العالم كانت سعيدة جدا عندما علمت أنكما قادمان اشترت ملابس لكما واختارت اسميكما وجهزت هذه الغرفة بحب كبير
كان بيدرو أيضا يحدق فيه الآن والطفلان منصتان كأنهما يفهمان كل كلمة
قال كانت تغني لكما وأنتم لا تزالان في بطنها دائما الأغنية نفسها تهويدة كانت جدتها تغنيها لها
سألت هيلينا هل تتذكر اللحن
قال
نعم
بدأ يغني بخفوت لحنا رقيقا سمعه مئات المرات خلال الحمل كان التأثير سحريا ارتخى الطفلان كليا كأن الأغنية أيقظت في داخلهما ذكرى قديمة من وقت كانا فيه آمنين في رحم أمهما
قالت هيلينا متأثرة هما يعرفان هذه الأغنية
قال إيزابيلا كانت تغنيها يوميا تقول إنها تريد أن يولدا وهما يعرفان أنهما محبوبان
قالت وها هما يعرفان الآن لذا توقفا عن البكاء عندما بدأت تظهر حبك
استمر ماركوس في الغناء دقائق حتى غلبهما النعاس مجددا وبقي واقفا يراقبهما يشعر بشيء جديد ينمو في صدره لم تكن تلك المرة الألم ولا الذنب بل شعور بالحماية والرغبة في
الرعاية والمسؤولية
قال فجأة هيلينا هل أستطيع أن أخبرك بسر
قالت طبعا
قال لطالما أردت أن أكون أبا منذ صغري كنت أحلم بأطفال أعلمهم وأراهم يكبرون لكن عندما ماتت إيزابيلا تحول الحلم إلى كابوس
سألت وماذا عن الآن
قال الآن أشعر بالخوف أخاف أن أحاول ولا أنجح في أن أكون الأب الذي يستحقانه
قالت سأخبرك ما تعلمته من تربية أخي لا وجود لأب مثالي هناك آباء يحاولون يهتمون ويحضرون إيزابيلا لم تكن تنتظر منك الكمال كانت تنتظر أن تحاول
سأل وماذا لو حاولت وفشلت
قالت حينها حاول مرة أخرى ومرة أخرى حتى تنجح
تحرك بيدرو في السرير وفتح عينيه ثانية هذه المرة عندما رأى
ماركوس مد ذراعيه إليه كأنه يطلب أن يقترب منه
سأل ماركوس بدهشة هل يريدني أن أحمله
قالت نعم إنه يطلب حنان أبيه
بضربات قلب متسارعة حمله بين ذراعيه التصق الطفل بصدره مطمئنا وأصدر تنهيدة صغيرة راضية كانت هذه المرة الأولى منذ ثمانية أشهر يشعر فيها أحد الطفلين حقا بالأمان وهو قريب من أبيه
قال ماركوس بصوت متهدج إنه شعور مذهل
قالت هيلينا هذا ما كانت إيزابيلا تريدك أن تشعر به من اليوم الأول
بدأ باولو الذي رأى أخاه قرب أبيه يمد ذراعيه بدوره طالبا الاهتمام نفسه
سأل ماركوس وهو ينظر إلى هيلينا هل أستطيع
حملهما معا
قالت مبتسمة بالطبع إنهما أبناؤك
ساعدته على وضع باولو في ذراعه الأخرى وهكذا وللمرة الأولى في حياته كان يحمل التوأمين معا هدأ بيدرو وباولو تماما كأنهما أخيرا وصلا إلى المكان الذي ينبغي أن يكونا فيه منذ البداية
قال ماركوس متأثرا إنهما صغيران جدا ويعتمدان علي بالكامل
قالت صحيح لكنك قادر على رعايتهما
سأل كيف يمكنك أن تكوني واثقة إلى هذا الحد
قالت لأنني رأيت الحب في عينيك عندما قرأت رسالة إيزابيلا هذا الحب كان موجودا دائما فقط مختبئ تحت طبقات الألم
ظل ماركوس صامتا وهو يهدهدهما برفق مندهشا من شعوره بالاكتمال كأن جزءا مكسورا فيه منذ ثمانية أشهر بدأ يلتئم
قال أخيرا هيلينا لقد أنقذت عائلتي
قالت لم أنقذها فقط أريتكم ما كان موجودا أصلا
قال ومع ذلك أنا مدين لك بأكثر مما أستطيع أن أقدمه
قالت لا تدين لي بشيء رؤية هذين الطفلين وهما سعداء تكفيني
سألها بفضول
لماذا أنت مختلفة عن كل من عمل هنا
سألت مختلفة كيف
قال كل المربيات كن يأتين من أجل المال فقط يعملن بآلية دون أن يهتممن حقا ببيدرو وباولو أما أنت فتهتمين فعلا
ابتسمت وقالت لأني كنت يوما في مكانهما أعرف ماذا يعني أن تكون طفلا ولا تشعر أنك محبوب
سأل وماذا عن أخيك الآن
قالت كبر بصحة جيدة رغم كل شيء تزوج وأنجب أطفالا وهو رجل صالح لكنه يحمل ندوبا من طفولته لن تلتئم أبدا عدم أمان خوف من ألا يكون كافيا صعوبة في الوثوق بمحبة الآخرين أشياء كان من الممكن تجنبها لو أن أبي تجاوز
ألمه بسرعة أكبر
نظر ماركوس إلى طفليه بين ذراعيه وقال لا أريد لبيدرو وباولو أن يحتملا مثل تلك الندوب
قالت إذن لن يحدث ذلك لأنك ستكون حاضرا وتظهر حبك وتكون الأب الذي يحتاجان إليه وسأكون إلى جانبك دائما إن احتجت
قال مع مساعدتك يبدو الأمر ممكنا
في تلك اللحظة بدأ بيدرو يبكي بكاء خفيفا ليس صارخا كما في الماضي بل بكاء طفل عادي
سأل ماركوس في قلق ما الذي يريده الآن
ضحكت غالبا جائع متى كانت آخر مرة حصل فيها على زجاجة الحليب
قال لا أعرف كارمن هي التي تهتم بذلك
قالت إذا
سنبدأ من هنا أن تكون أبا يعني أن تعرف متى يجوع أطفالك
نزلوا إلى المطبخ كان الوقت الرابعة فجرا والبيت صامتا لكنه الآن صمت سلام وليس صمت توتر أعدت هيلينا الزجاجات بينما بقي ماركوس في الصالة يحمل الطفلين كان بيدرو يستمر في البكاء الخفيف أما باولو فكان هادئا مستمتعا بقرب أبيه
عادت هيلينا بزجاجتي الحليب الدافئ
سأل هل أستطيع أن أطعمهم بنفسي
قالت بالطبع سأعلمك
أرته كيف يضع الطفلين وكيف يمسك الزجاجة وكيف يعرف أنهما شبعا اتبع تعليماتها بعناية كأنه أمام عملية دقيقة امتص بيدرو الحليب بنهم واضح أنه كان جائعا أما باولو فأخذ يشرب ببطء ويتوقف أحيانا ليتأمل وجه أبيه كأنه لا يصدق أنه موجود معه حقا
سأل ماركوس منذ متى وهما يتغذيان بالزجاجة
أجابت منذ ولادتهما لم تستطع إيزابيلا أن ترضعهما فكانت كارمن والمربيات يتكفلن بذلك
قال بحزن كانت تريد أن ترضعهما كانت تحلم بذلك طوال الحمل تقول إنه أكثر شكل حميم من أشكال الحب للأبناء
شعر بغصة لكنها لم تكن هذه المرة غصة شلل بل حنينا لطيفا ممتزجا بالامتنان للذكريات الجميلة
قال كانت ستكون أما رائعة
قالت هيلينا وستكون كذلك من خلال الرسائل والذكريات والقصص التي سترويها لهما عنها
بعد أن أنهى الصغيران زجاجتيهما وضعهما ماركوس على كتفه ليتجشيا كما علمته كانت الحركات التي تجيء عفوية للآخرين جديدة تماما عليه



