كانت مجرّد خادمة بسيطة لكن حين رأت التوأم يبكيان كلّ ليلة

كانت مجرّد خادمة بسيطة لكن حين رأت التوأم يبكيان كلّ ليلة

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات

على الظرف الأول كان مكتوبا إلى بيدرو وباولو السنة الأولى من العمر
أخذ ماركوس الظرف بيدين مرتجفتين
سأل هل يمكنني فتحه
قالت كارمن طبعا تركت تعليمات بأن تفتح عندما يكون ذلك لازما
فتح الظرف بحذر وأخرج رسالة مكتوبة بخط يدها الرقيق
قالت هيلينا اقرأ بصوت عال
بدأ ماركوس يقرأ بصوت متهدج
أحبائي بيدرو وباولو
إن كنتم تستمعون إلى هذه الرسالة الآن فهذا يعني أنني لم أستطع البقاء لأعتني بكما بنفسي لكن اعلموا أن كل ثانية قضيتها وأنا أحملكما في بطني كانت أسعد فترات حياتي
توقف إذ جعلته الدموع عاجزا عن المواصلة

شجعته هيلينا تابع
أكمل بصعوبة
قد يكون والدكما حزينا أو غاضبا الآن ربما يلومكما على رحيلي لكن لا تلوموه لقد أحبني كثيرا إلى درجة أنه سيضيع من دونه تحليا بالصبر مع أبيكما
انهار ماركوس في البكاء مجددا أكملت كارمن القراءة عنه
أريدكما أن تعرفا أنني اخترتكما رغم معرفتي بالمخاطر اخترت أن أهبكما الحياة وسأختار ذلك مرة أخرى ملايين المرات أنتما  

أعظم هدية أستطيع أن أقدمها للعالم
اعتنيا ببعضكما وكونا صديقين دائما واعتنيا بأبيكما أيضا سيحتاج حبكما كثيرا
يوما ما عندما تكبران أخبراه أنني لا ألوم أحدا على موتي لقد كان الثمن الذي دفعته مقابل حياتكما وكان ثمنا عادلا
عاشا بسعادة كونا لطيفين شجاعين ومحبوبين واعلما أنني حيثما كنت سأظل دائما أحرسكما
مع كل حبي
أمكما إيزابيلا
ساد الغرفة صمت تام ثلاثة بالغين يبكون وهم يستوعبون كلمات امرأة عرفت أنها ستموت لكنها اختارت أن تترك خلفها حبا بدل المرارة
همس ماركوس إنها لا تلومني
قالت كارمن لم تلمك أبدا قالت لي إن الشيء الوحيد

الذي يحزنها هو احتمال أن تلوم نفسك طوال حياتك
اقتربت هيلينا منه وقالت أطفالك لم يقتلوا زوجتك يا سينيور ماركوس إنهم آخر هدية تركتها لك
نظر ماركوس حول الغرفة وللمرة الأولى لم ير فيها قبرا للذكريات المؤلمة بل مكانا مملوءا بالحياة واللحظات السعيدة
قال أخيرا أريد أن أحاول
سألته أن تحاول ماذا
قال أن أكون الأب الذي أرادت إيزابيلا أن أكونه
ابتسمت هيلينا من خلال دموعها فلنبدأ من الآن
خرجوا من الغرفة وتركوا بابها مفتوحا للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر وعندما وصلوا إلى غرفة التوأمين وجدوا بيدرو وباولو نائمين بهدوء وللمرة الأولى منذ ولادتهما

لم يكونا يبكيان
الساعة الثالثة صباحا وللمرة الأولى منذ ثمانية أشهر لم توقظه صرخات التوأمين كان الصمت عميقا إلى درجة أنه استيقظ وحده مذعورا ظانا أن مكروها قد حدث نهض بسرعة وركض إلى غرفة الطفلين وقلبه يخفق بقوة
وجد بيدرو وباولو نائمين بهدوء في سريريهما يتنفسان بانتظام وعلى وجهيهما تعابير سلام لم يرها من قبل للمرة الأولى يشبهان حقا أطفالا عاديين لا ضحايا لشيء لا يستطيعون التعبير عنه  

كانت هيلينا مستغرقة في النوم على كرسي بجوار السريرين أمضت الليل كله هناك تراقب لتتأكد أن الطفلين حقا في سلام وقف ماركوس عند الباب يراقب مشهدا لم يكن يتخيل أنه ممكن
قالت وهي تستيقظ على وقع خطواته سينيور ماركوس
همس قلقا هل هما بخير
قالت بابتسامة هادئة بخير ناما طوال الليل دون حتى أن يأنا
اقترب ماركوس من السريرين ببطء كأنه يزور عالما جديدا كان بيدرو ينام ويده الصغيرة قريبة من فمه أما باولو فنام على بطنه ووجهه الوردي على الوسادة
قال مذهولا يبدوان مختلفين
قالت هما لم يتغيرا أنت الذي تغيرت أمس حين قرأت

رسالة إيزابيلا حدث شيء بداخلك وقد شعروا به
قال مترددا الأطفال لا يشعرون بتلك الأشياء أليس كذلك
قالت بل يشعرون وخصوصا عندما يتعلق الأمر بوالديهم لقد عاشوا ثمانية أشهر وهم يشعرون بذنبك وغضبك ورفضك أمس وللمرة الأولى شعروا بالحب
بقي ماركوس صامتا يراقبهما كان يعرف في داخله أن شيئا تغير فعلا بعد الرسالة ثقل الذنب الذي سحقه ثمانية أشهر خف وحلت محله معرفة مؤلمة لكنها ضرورية
قال بصوت خافت هيلينا هل أستطيع أن أسألك سؤالا
قالت طبعا
سأل لماذا تهتمين كثيرا أنت لا تعرفينني ولا تعرفين عائلتي لماذا تفعلين كل هذا
ابتسمت بحزن لأنني

أعرف ماذا يعني أن تكبرين بلا حب الأب  

سأل ألم يجبك والدك
قالت كان يحبني لكنه كان غارقا في ألمه بعد موت أمي قضى عامين يلومني على ما حدث عامين شعرت فيهما أنني لا أستحق الوجود
شعر ماركوس بانقباض في صدره
سأل وماذا حدث بعد ذلك
قالت مات في الحادث قبل أن يسامحني حقا وقبل أن يحبني من جديد كما كان
قال متأثرا أنا آسف
قالت لا أريد لأطفالك أن يمروا بما مررت به لا أريدهم أن يكبروا وهم يعتقدون أنهم مذنبون بموت أمهم
تحرك بيدرو قليلا في السرير لكنه ظل نائما شعر ماركوس برغبة غريبة في لمس وجه ابنه لكنه تردد

قالت هيلينا مشجعة يمكنك أن تلمسه لن يستيقظ
مد يده بحذر شديد ولمس خد بيدرو كانت بشرته طرية ودافئة حقيقية تماما ثمانية أشهر وهو يراهما كأشباح لزوجته الميتة والآن يراهما كما هما فعلا طفلين صغيرين يحتاجان إلى أبيهما
همس إنه صغير جدا
قالت وصغير بما يكفي ليحتاج إليك أكثر من أي شخص آخر
قال مترددا لا أعرف كيف أكون أبا يا هيلينا لم أتعلم ذلك
قالت لا أحد يولد يعرف نتعلم ونحن نجرب
سأل بقلق وماذا لو أخطأت ماذا لو آذيتهم من دون قصد
قالت حينها نصلح الخطأ أن تخطئ وأنت تحاول أفضل من

ألا تحاول إطلاقا
في تلك اللحظة استيقظ باولو لم يبك بل فتح عينيه ونظر حوله وعندما رأى ماركوس لم يصرخ كما كان يفعل دائما بل ظل يراقبه بفضول
قال ماركوس مذهولا إنه ينظر إلي
قالت نعم يريد أن يتعرف إلى أبيه وماذا ستفعل  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى