
جوزي مسك إيدي وأنا بفقد طفلنا…
أخد بصمتي وهو فاكرني غايبة عن الوعي عشان يفضّي حساباتي.
سمعته وهو مايل على أمه وبيهمس لها إنهم ناويين يسيبوني في المستشفى.
مش بكرة.
مش لما أبقى أحسن.
في نفس اللحظة.
بعد ما فقدت طفلنا مباشرة.
بس ده…
ده ماكانش الأسوأ.
الأخطر بجد كان إني أستوعب، واحدة واحدة، ولسه الدـ,ـم متجمّد في عـ,ـروقي، إن وأنا نايمة، مكسـ,ـورة، تحت تأثير المخـ,ـدر والأدوية… هم مش بس بيفكروا يسيبوني.
كانوا ناويين ياخدوا مني كل حاجة.
المستشفى كانت ريحتها كلور، ودواء رخيص، وحديد بارد.
الريحة اللي تدخل مناخيرك وتقولك من غير كلام إن في حاجة غلط.
إن مافيش حاجة هترجع زي الأول.
كان في سكون تقيل، خانق.
السكون اللي بييجي بعد خبر وحش، لما محدش يعرف يقول إيه، وكلهم بيتجنبوا يبصّوا في عينيك.
فتحت عيني بالعافية.
حلقي ناشف كأني ما شربتش مية من أيام.
إيدي تقيلة، مش قادرة أحركها.
وبطني… فاضية.
مش فاضية جسديًا.
فاضية من روح.
حسّيت كأن حد فكّني من جوه ورجع ركّبني تاني من غير اهتمام… من غير رحمة.
ممرضة قربت مني بهدوء.
كان في عينيها النظرة اللي بتسبق الكلام.
النظرة اللي بتهرب من الوعود.
— أنا آسفة جدًا يا مدام — قالت بصوت واطي — عملنا كل اللي نقدر عليه.
ما احتاجتش تسمع أكتر من كده.
عرفت.
ابني… ما بقاش موجود.
ما صرختش.
ما عيطتش فورًا.
بس حسّيت ببرودة بتنتشر من صـ,ـدري لحد أطرافي، كأن حاجة مهمة اتكسرت وبتنطفي واحدة واحدة.
جنبي كان جوزي، إيثان.
قاعد على كرسي ناشف، إيده في بعض، وراسه واطية، عامل نفسه الزوج المكـ,ـسور.
لو ما كنتش عارفاه…
لو ما عيشتش معاه…
كنت صدّقت إنه بيتألم.
أمه، دايان، كانت واقفة جنب الشباك.
إيديها متشابكة، وفكّها مشدود، وباصّة على الجراج كأنها مستنية اليوم يخلص.
ماكانتش باينة حزينة.
كانت باينة متضايقة.
كأن كل اللي بيحصل ده تعطيل لجدولها.
بعد ساعات، وأنا بين الوجـ,ـع وتأثير المهدئات، كنت بدخل وأخرج من الوعي.
الوقت فقد معناه.
ما كنتش قادرة أتحرك.
ما كنتش قادرة أتكلم.
بس كنت بسمع.
همسات قريبة.
مستعجلة.
مريبة.
— قلتلك الموضوع ده هيتم من غير مشاكل — دايان همست بنبرة ناشفة.
إيثان رد بهدوء مرعب، كأنه بيتكلم عن تغيير باقة إنترنت:
— الدكتور قال إنها مش هتفتكر. الأدوية تقيلة.
بس نحتاج بصمتها.
حاولت أتحرك.
ماقدرتش.
حاولت أصرخ.
الهوا ما طاوعنيش.
حسّيت بحد بيرفع إيدي.
حسّيت بصباعي بيتضغط على حاجة صلبة، باردة، غريبة عن جسمي.
— بسرعة — همست دايان — حوّل كل حاجة. ما تسيبش ولا جنيه.
إيثان زفر براحة.
— بعدين نقطع كل حاجة — قال — هنقول إن الموضوع كان فوق طاقتنا. الخسارة… الديون… أي حاجة. هي هتكون منهـ,ـارة.
سكت لحظة.
— وإحنا هنكون أحرار.
جسمي كان هناك.
بس أنا كنت محبوسة جواه، بسمع حياتي بتنهار من غير ما أقدر أحرّك صباع.
تاني يوم صحيت بجد.
الأوضة كانت منوّرة زيادة عن اللزوم.
إيثان مش موجود.
ولا دايان.
موبايلي كان مرمي على الترابيزة جنب السرير، كأنه مالوش صاحب.
الممرضة قالتلي بنبرة رسمية إن جوزي جه بدري، راجع الورق، وطلب إنهم يجهزوا خروجي في نفس اليوم.
حاجة جوايا اتشدّت.
مسكت الموبايل بإيدين بتترعش.
قلبي سبقني قبل ما أفتح الشاشة.
دخلت على تطبيق البنك.
وشفتها.
الرصيد: 0.00$
ما فهمتش في الأول.
رمشت.
بصّيت تاني.
تحويشة عمري.
فلوس الطوارئ.
الفلوس اللي كنت بخبيها “لأي ظرف”.
اختفت.
تحويلات متسجلة بين الساعة 1:12 و1:17 الفجر، واقفة قدامي زي اعتراف صريح.
قلبي خبط جامد لدرجة وجعني.
نفس اليوم بعد الظهر، إيثان رجع.
المرة دي ما كانش بيمثل.
قرّب مني زيادة، بابتسامة ما شفتهاش قبل كده.
ابتسامة قاسية… منتصرة.
— على فكرة — همس — شكرًا على بصمتك. اشترينا بيت فاخر.
وفي اللحظة دي…
حاجة جوايا انفجرت.
بس مش دموع.
مش صريخ.
مش رجاء.
ضحكت.
لأني في اللحظة دي فهمت حاجة هما عمرهم ما تخيّلوها…
لأني في اللحظة دي فهمت حاجة هما عمرهم ما تخيّلوها…
إنهم أغبى مما كنت أتصور.
بصّيت له وأنا لسه بضحك.
ضحكة هادية… باردة… مش شبه ضحكة واحدة خسرانة كل حاجة.
إيثان اتلخبط.
— إنتِ بتضحكي ليه؟ — سأل وهو مكشّر.
مسحت دمعة نازلة من طرف عيني، مش دمعة حزن… دمعة سخرية.
— هو إنت فاكر إن الحساب ده كان باسمي لوحدي؟ — قلت بهدوء.
ابتسامته بدأت تتهز.
— طبعًا… بصمتك نقلت كل حاجة.
هزّيت راسي.
— بصمتي فعلت التحويلات… آه.
بس الحساب الأساسي اللي اتحولت عليه الفلوس؟
كان حساب مشترك.
سكت ثانية، وسيبته يستوعب.
— مشترك… بيني وبين والدي.
لأول مرة وشّه فقد لونه.
والدي مش مجرد راجل كبير على المعاش.
هو مستشار مالي.
النوع اللي بيحط تنبيهات تلقائية على أي حركة كبيرة.
وأول ما اتسحبت الفلوس… اتبعتله إشعار.
وأول ما شاف إن التحويلات حصلت الساعة واحدة الفجر… من جهاز مش مسجل باسمي…
قدّم بلاغ فوري بتجميد العـ,ـمليات.
رفعت موبايلي قدامه.
— الفلوس ما راحتش لبيت فاخر…
الفلوس متجمّدة تحت تحقيق بتهمة احتـ,ـيال وسـ,ـرقة باستخدام بيانات بيومترية بدون إذن.
إيده بدأت تعرق.
— إنتِ… إنتِ بتهزري.
هزّيت راسي.
— لا.
بس ده مش كل حاجة.
بصّيت له مباشرة في عينه.
— المستشفى عندها تسجيلات.
من ساعة ما دخلت العـ,ـمليات لحد ما خرجت.
وعندها سجلات دخول الغرف.
صوته بقى أضعف:
— وإيه يعني؟
ابتسمت ابتسامة أهدى من الأولى.
— يعني إن في تسجيل واضح ليك وإنت ماسك إيدي، وبتضغط صباعي على شاشة موبايلي.
وإنت بتقول: “حوّل كل حاجة.”
الضحكة اختفت من وشي.
— وإنت فاكر إني كنت نايمة؟
كنت سامعاك. كل كلمة.
سكت.
بلع ريقه.
كملت:
— وسجلت صوتكم.
عيونه اتسعت.
— إزاي؟!
— قبل ما أدخل العمـ,ـليات، فعلت خاصية التسجيل التلقائي لما يكون في حركة حوالين الموبايل.
عادة بستخدمها للشغل.
كنت دايمًا حذرة.
يمكن لأني طول عمري حاسة إنك مش صافي.
قربت منه شوية، بصوت واطي:
— سمعتك وإنت بتقول “وإحنا هنكون أحرار.”
باب الأوضة اتفتح فجأة.
مش ممرضة.
ولا دكتور.
ضابطين شرطة.
واحد منهم قال:
— السيد إيثان؟
مطلوب للتحقيق في بلاغ سـ,ـرقة واحتيـ,ـال.
بصّ لي نظرة أخيرة، نظرة صدمة وخـ,ـيانة، كأنه هو الضـ,ـحية.
أما أنا…
حطيت إيدي على بطني الفاضية.
الألم كان لسه هناك.
الخسارة حقيقية.
ابني مش هيرجع.
بس على الأقل…
أنا مش الضـ,ـحية اللي كانوا فاكرينها.
وأول مرة من وقت طويل…
حسّيت إني مش مكسـ,ـورة.
حسّيت إني نجيت.
الضباط أخدوه قدامي.
كان بيبص وراه كل شوية، يمكن مستني إني أصرخ، أترجاه، أقولهم في سوء تفاهم.
ما عملتش ولا حاجة من دي.
بس كنت ببص له بنفس النظرة اللي كان بيبص ليها وأنا على سرير المستشفى:
باردة… خالية… من غير شفقة.
بعد ما الباب اتقفل، الأوضة رجعت هادية.
الهدوء ده المرة دي ما كانش خانق.
كان مختلف.
كان بداية.
بعد يومين خرجت من المستشفى.
مش لوحدي.
أبويا كان مستنيني برا.
أول ما شافني حـ,ـضني من غير كلام.
الحـ,ـضن ده هو أول مرة أسمح لنفسي أعيط بجد.
مش عشان الفلوس.
ولا عشان الخيـ,ـانة.
عشان ابني.
عشان الغرفة اللي كنت مجهزاها.
الملابس الصغيرة اللي لسه متغسلة ومترتبة.
الأحلام اللي ما كملتش.
القضية ما طولتش.
التسجيلات كانت واضحة.
التحويلات موثقة.
استخدام البصمة تحت تأثير مخـ,ـدر جـ,ـريمة صريحة.
وأمه؟
حاولت تنكر.
حاولت تقول إنها ما تعرفش حاجة.
بس صوتها في التسجيل وهي بتقول:
“ما تسيبش ولا جنيه”
كان كافي.
اتقبض عليها بتهمة التواطؤ.
البيت الفاخر اللي كانوا فاكرين نفسهم هيعيشوا فيه؟
اتحجز عليه كدليل.
الحسابات اتردت لي بالكامل بعد التحقيق.
بس الغريب…
إني لما الفلوس رجعت، ما حسّتش بانتصار.
حسّيت بحاجة أعمق.
حسّيت إني اتولدت من جديد.
طلقت إيثان رسميًا وأنا واقفة ثابتة قدام القاضي.
ما بكيتش.
ما انهزّتش.
هو حاول يعتذر.
قال إنه كان تحت ضغط.
قال إن أمه أثرت عليه.
قال إنه كان تايه.
بس في اللحظة اللي اختار فيها ياخد بصمتي بدل ما يمسك إيدي…
كان خلاص اختار طريقه.
عدّت شهور.
بدأت أتعالج نفسيًا.
رجعت شغلي تدريجيًا.
نقلت لشقة جديدة.
شقة صغيرة… بس ملكي.
بمفتاحي.
بقراراتي.
وفي يوم، وأنا برتب صندوق قديم، لقيت صورة سونار كنت مخبياها.
قعدت على الأرض وبصيت لها طويلًا.
ابتسمت رغم الدموع.
ابني ما عاشش…
بس وجوده غيّرني للأبد.
خلاني أشوف الحقيقة.
خلاني أنجو.
خلاني أقوى.
والأهم…
خلاني أتعلم إن أقسى الخـ,ـيانات مش اللي بتكسـ,ـرك.
أقسى الخـ,ـيانات هي اللي بتوقظك.
وأنا…
صحيت.



