اشتريت لابني دبدوب من سوق شعبي

اشتريت لابني دبدوب من سوق شعبي

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالصفحة التالية

عددت المبلغ بذهول، ما يقرب من ألفين دولار، وكل ورقة كانت ذكرى حية: شيكات أعياد، مصروف، غداء، أفلام، ثلاث سنوات كاملة لم تنفق فيها شيئًا، كانت تدخر بصمت لأجلي أنا، وأنا لم أنتبه أبدًا

فردت الرسالة بيد مرتعشة، وخطها المهزوز قرب النهاية طع,,ن ص,,دري برقة قاسية، الكلم,,ات خرجت كصوتها تمامًا، دافئة ومؤلمة، تخاطبني كأنها هنا، كأن الغياب كذبة، وكأن قلبي يستطيع التحمل بالكاد الآن

قالت إنها تعرفني، تعرف أنني إذا رحلت ستبتلعني الطرق، سأعمل حتى العظم، أهرب من الوجع بالحركة المستمرة، أرتدي قناع القوة للجميع، ثم همست بين السطور: لكنك لست مضطرًا أن تكون قويًا الآن يا أبي

قالت إنها وفرت المال ثلاث سنوات، لم تحتج ملابس جديدة أو ألعابًا، كل ما أرادته أن أكون بخير، ثم جاءت الض,,ربة الحانية التي حطمتني: هذا المال لك، خد شهر إجازة، شهر كامل علشاني أنا بس

شهر بلا قيادة، بلا عمل إضافي، بلا هروب متواصل من الألم، اذهب إلى المقصورة بجوار البحيرة

التي حلمنا بها، اجلس هناك، ابك كما يجب، نم كما يجب، ثم حاول، فقط حاول، أن تسامح نفسك أخيرًا يا أبي

وأكدت أنني لم أخذلها يومًا، أنني كنت بطلها رغم كل شيء، وأن الحب كان الدرع الحقيقي دائمًا، ثم أغلقت قلبي بجملتها الأخيرة، البسيطة والقاتلة: من فضلك، خذ وقتك… افعلها من أجلي، أنا أحبك دائمًا

جلست على جانب الطريق السريع، محرك شاحنتي يزمجر تحتي كوحش جريح، أضغط النقود والرسالة إلى ص,,دري، أبكي بصمت متقطع، كأن الدموع آخر ما تبقى لي من صوت وحياة ونجاة مؤقتة

صرخت في الفراغ، في السماء، في كل شيء قاسٍ وعادل كذبًا، سألت لماذا يُؤخذ النور مبكرًا، ولماذا تُترك القلوب تتعثر وحدها، مثقلة بالفقد، عاجزة عن فهم حكمة لا تُرى وتُحتمل

هي، رغم الرحيل، كانت تفكر فيَّ أنا، في حزني القادم، ادخرت من ضحكاتها الصغيرة، من رغباتها المؤجلة، لتمنحني ما لم أجرؤ يومًا على منحه لنفسي: وقتًا لألتقط أنفاسي وأتعافى ببطء

“كيف استطعتِ فعل ذلك؟” همست، لكن صوتي هذه المرة لم يحمل غض,,بًا،

فقط رهبة موجعة، امتنانًا يح,,رق الص,,در، وحبًا يتسع كبحر، وخجلًا لأن قلبًا صغيرًا سبقني إلى النضج والتضحية الصامتة

مسحت وجهي المرتجف، ونظرت إلى الدمية العتيقة؛ خياطة ممزقة، حشو بارز، ملامح مرهقة، ومع ذلك بدت لي أجمل من أي شيء امتلكته يومًا، كأنها تحتضن ما تبقى من دفء وذكرى

التقطت جهاز الاتصال، ترددت ثانية بدت دهرًا، ثم تحدثت بصوت متشقق: سأسلّم الحمولة في أقرب مستودع، وبعدها سأختفي قليلًا عن الطرق، أحتاج هدنة مع نفسي، مع قلبي المتعب المنهك جدًا

سألني الصوت البعيد إن كنت بخير، سؤال بسيط هزّ داخلي، نظرت إلى الرسالة في حض,,ني، وشعرت بشيء ينفتح أخيرًا، نفسٍ حقيقي، رجاءٍ خافت، يقينٍ دافئ بأنني سأنهض مجددًا رغم الانكسار

لم أقد الشاحنة لأسابيع، تركت الضجيج خلفي، واجهت صمتي، بكيت كما لم أبكِ من قبل، وفي كل ليلة، كانت الدمية بجانبي، تذكرني أن الحب لا يرحل، بل يغيّر شكله فقط

لم أكن وحيدًا يومًا، كان أثرها يملأ الفراغ، في الهواء، في نبضي، في قدرتي على الاستمرار؛

ومع كل شروق، كنت أتعلم أن النجاة أيضًا شكل من أشكال الوف,,اء الصادق العميق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى