
لم تختبر البرد الحقيقي قط إلا حين يصفعك هواء ديس,مبر على وجهك وأنت لا تملك بابا تغلقه لتتركه خارجا ذلك البرد الذي لا يجمد جلدك فقط بل يتسلل إلى عظامك ويجعلك تتساءل هل ما زلت حية فعلا هكذا كانت حياتي في نيويورك اس,مي هاربر مارتينيز أبلغ عشر سنوات وأنا ما يس,ميه الناس حالة ميؤوسا منها
رحل والداي منذ زمن بعيد أو ابتلعهم النظام لم أعد أفرق بدقة لا أتذكر الوجوه بقدر ما أتذكر إحساسا باهتا بالغياب كأنه ضباب قديم حاول نظام الرعاية أن يصلحني ثلاث مرات ثلاث بيوت مختلفة ثلاث جحيمات مختلفة في البيت الأخير كان الأب الحاضن
يحبسني في القبو لأنه قال إن عيني تحاكمانه لذلك خرجت فضلت خطر أن أتجمد قرب سنترال بارك على أن أذوب حزن,ا في قبو في كوينز
لكن الشارع يعلمك ما لا تعلمه أي مدرسة فاخرة تتعلم كيف تصبح غير مرئي تتعلم أن الناس لا يرون الفتيات المتسخات نظراتهم تنزلق فوقك كما لو كنت جزءا من الرصيف وتتعلم أن تعيش بينما كان أطفال آخرون يبكون كنت أراقب بينما كان آخرون يمدون أيديهم لعملات معدنية كنت أفتش عن أسلاك
اتضح أن لدي موهبة لا أعرف من أين جاءت ربما هي الشيء الوحيد الذي تركه لي والداي أنا أفهم الآلات بالنسبة لي الحاسوب ليس صندوقا سحريا
إنه لغز منطقي تعلمت القراءة وحدي في سن الرابعة وفي السابعة كنت قد فككت أول هاتف ذكي وجدته في قمامة قريبة
من وول ستريت ثم أعدت تركيبه كانت شاشته مكسورة لكن المعالج يعمل وصلته ببطارية قديمة ونجحت في تشغيله كان ذلك أول انتصار لي
كانت المكتبات العامة ملجئي ليس بسبب التدفئة وحدها وكانت أشبه بالنعمة بل بسبب الإنترنت المجاني والكتب كان أمناء المكتبة يطردونني أحيانا بسبب الرائحة لكنني كنت أعود دائما قرأت كل ما وجدته عن بايثون وجافا و وبروتوكولات الأمان وتشفير البيانات وكانت المفارقة تضحكني في سري طفلة لا تملك مفاتيح أي بيت تتعلم صنع مفاتيح رقمية هي الأعقد في العالم
في ذلك اليوم تحديدا كان الجوع ألما جسديا خالصا تقلصا لا يهدأ في المعدة مر يومان دون طعام صلب لم أشرب إلا ماء من نوافير الشوارع كنت أمشي قرب الشارع الثاني والأربعين وحذائي الممزق يس,مح للثلج الموحل أن يتسرب إلى قد,,مي شعرت بالوهن عقلي الذي اعتاد أن يكون سريعا وحادا صار بطيئا كحاسوب فتح تبويبات كثيرة دفعة واحدة كنت بحاجة إلى وقود
رفعت بصري فرأيت مبنى كرايسلر تحفة آرت ديكو تلمع تحت شمس شتوية شاحبة بالنسبة للسياح هو معلم أما بالنسبة لي فكان فرصة س,معت بين المشردين المخضرمين إشاعة معروفة الطوابق التنفيذية ترمي ولائم كاملة طعاما حقيقيا سوشي شرائح لحم قطع حلوى لم يلمسها أحد إلا لمسة
الأمن في تلك الأبراج قاس كاميرات حراس حساسات لكن للأمن عيبا واحدا دائما العامل البشري لا أحد يشك في طفلة صغيرة انتظرت في زقاق التحميل وأنا أرتجف حتى رأيت شاحنة غسيل تخرج كان الحراس منشغلين بمزاح مع السائق في تلك الومضة القصيرة من الشرود انزلقت خلف الحاويات ودخلت
ضربتني حرارة الداخل رائحته نظيفة لامعة تحركت بسرعة ملتصقة بالجدران وصعدت سلالم الخد,,مة ساقاي تحترقان والجوع
يدوخني لكن وعد الطعام كان يدفعني إلى الأعلى الطابق العشرون الأربعون الستون
وصلت إلى طابق مرتفع لا أعرف رقمه لكن الصمت كان مختلفا هناك السجاد س,ميك لدرجة أن خطواتي لا تس,مع كنت أبحث عن استراحة مطبخ أي شيء لكنني س,معت أصواتا أصواتا محملة بالذعر
كان أحدهم يصرخ هذا مستحيل! الجدار النا,,ري يصدنا!
ورد آخر جرب مرة أخرى! لدينا عشرون دقيقة!
غلب الفضول الجوع اقتربت كان الباب مواربا تطلعت بحذر فإذا بالغرفة تصرخ مالا أثاث من الماهوغاني نوافذ بانورامية على المدينة وستة رجال ببدلات تكلف أكثر مما قد أصرفه طوال حياتي ملتفين حول خزنة عملاقة مثبتة في الجدار لم تكن خزنة عادية كانت حصنا رقميا
عرفت الطراز فورا من مخططات قرأتها في مجلة أمن معلومات حصلت عليها بطرق ملتوية تيتانيومإكس 9000 بصمة وبصمات حيوية وتعرف صوتي وتشفير متبدل شديد التعقيد وحش حقيقي وكان أولئك الرجال يحاولون فتحه بعنف رقمي أعمى
صرخ الرجل الذي بدا قائدهم وهو يضرب الجدار تبا! إن لم أخرج هذه العقود الآن ستلغى الصفقة! سأخسر مليارا!
كان طويلا أس,مر بملامح عربية ولحية مشذبة بعناية اس,مه فارد الزهراوي كنت قد رأيت وجهه على أغلفة الصحف المهملة في المترو ملياردير نفطي يملك نصف مانهاتن أو هكذا كانوا يقولون
تلعثم أحد الفنيين والعرق يقطر منه سيدي نظام القفل المؤقت
فقاطعه فارد بزئير لا تأتوني بالأعذار!
كنت أشاهد كارثة تسير ببطء أمامي كانوا يرتكبون خطأ مبتدئين خزنة تيتانيومإكس لا تغلق بسبب محاولات كلمة مرور فاشلة فحسب بل بسبب خلل التزامن الزمني وتأخير المصادقة كانوا يدخلون الرمز بسرعة دون أن يتركوا للخاد,,م الأمني الذي يعمل من موقع بعيد فرصة إتمام المصافحة المطلوبة للتحقق
زمجرت معدتي بصوت مرتفع صوت بدا فاضحا في ذلك العالم المعقم التفت الجميع نحوي رأوني طفلة لاتينية بملابس أكبر بثلاث مقاسات ووجه يوحي أنها لم تنم منذ أيام
قال فارد في ذهول
أين الأمن كيف دخلت هذه الطفلة هنا
ظل الفنيون صامتين تقد,,مت خطوة لم أخف حين تنام تحت جسر وتشارك المكان مع الجرذان لا يعود غضب ملياردير أمرا مرعبا
قلت بهدوء لديكم خطأ في التأخير الزمني
رمش فارد ماذا قلت
قلت خزنتكم لا تفتح لأن خبراءكم مستعجلون أنتم تغرقون الذاكرة المؤقتة يجب أن تنتظروا أربع ثوان ونصف تقريبا بين التحقق الحيوي وإدخال الرمز هذا عيب معروف في طراز 9000 أصلحوه في 9001 لكن هذه قديمة
ساد صمت قب,,ر نظر إلي كبير الفنيين بازدراء وقال وماذا تعرفين أنت أيتها الطفلة القذرة اخرجي قبل أن
قاطعه فارد دعوها تتكلم ثم نظر إلي بنظرة جديدة هل تعرفين كيف نفتحها
أجبته أعرف كيف لا أغلقها للأبد وهذا ما أنتم على وشك فعله وأنا جائعة
أطلق فارد ضحكة قصيرة جافة ثم قال حسنا لنجعل الأمر ممتعا خبرائي لا ينفعون إن استطعت أنت طفلة لا نعرف من أين
خرجت فتح هذه الخزنة خلال عشر دقائق أعطيك مئة مليون دولار
ضحك الرجال ضحكات مضطربة ظنوا الأمر مزحة قاسية تسلية على حساب طفلة شارع
سألته وماذا إن لم أستطع
قال بلا تردد أتصل بالشرطة وتذهبين إلى الإصلاحية بتهمة اقتحام ملكية خاصة
نظرت إلى الخزنة نظرت إلى الساعة بقيت خمس عشرة دقيقة تقريبا على موعده نظرت إلى فارد قلت أريد أولا شطيرة
ثم أضفت كأنني أكتب شروط عقد شطيرة ديك رومي وكثير من الجبن
أومأ فارد مبتس,ما وكأنه يجاري طفلة تم
اقتربت من الآلة كانت يداي ترتجفان لا ا بل أدرينالينا خالصا كان هذا لحظتي
جلست على الكرسي الجلدي الفاخر الذي تركه أحد الفنيين كان أكبر مني بكثير وقد,,ماي بالكاد تلامسان أطراف الطاولة اختلطت رائحة الجلد الجديد برائحة الشارع العالقة بي فبان الامتعاض على وجوههم أحضروا الشطيرة التهمتها في ثلاث لقيمات تقريبا كأنني أخشى أن تسحب مني في أية لحظة ضرب السكر د,,ماغي كوميض برق وصرت جاهزة
قال فارد وهو ينظر إلى ساعته الذهبية لديك خمس دقائق لم يعد يبتس,م كثيرا كان التوتر في الغرفة كثيفا كأنك تستطيع قطعه بيدك
مسحت يدي في بنطالي المتسخ ثم وضعت أصابعي على لوحة اللمس كانت الشاشة تتوهج بضوء أزرق بارد النظام مغلق انتظار دورة
قلت دون أن أرفع بصري أريد من الجميع الصمت
هم أحدهم بالاعتراض لكن فارد قال بحدة صمت
أغمضت عيني احتجت أن أشعر بإيقاع المعالج لم تكن الخزنة مجرد معدن كانت نظاما يتنفس بيانات أعدت تهيئة اللوحة ومضت الشاشة ظهرت مطالبة التحقق الحيوي
قلت لفارد دون أن أنظر إليه ضع يدك هنا
تقد,,م ووضع كفه على الماسح مر ضوء أخضر على جلده صفير تم قبول البصمة
هنا تبدأ العقدة الرمز كانوا يكتبونه فور البصمة وهذا هو الخطأ
قال فارد الرمز هو 77ألفايانكي
قلت ببرود أعرف
ثم أضفت رأيته منعكسا على عدساتك عند,,ما كنت تصرخ في وجوههم
رفع حاجبه مدهوشا
انتظرت
واحد اثنان ثلاثة أربعة
ظهرت علامة ضجر على وجه أحد الفنيين كان يريد أن يصرخ أسرعي
أربعة ونصف
انطلقت أصابعي بسرعة 7 7 A Y 9 ثم إدخال
أص.درت الآلة صوتا لم يس,معوه طوال الصباح طنينا عميقا كأنه زفير ارتياح بدأت التروس الداخلية الثقيلة تدور طق طق طق
كان الصوت أشبه بموسيقى لا يفهمها إلا من يعرف معنى الفرصة
ومض الضوء الأحمر مرة واحدة كأنه يتردد ثم استقر على أخضر ساطع ثابت تم منح الوصول
انفتح الباب الفولاذي ببطء مع فحيح هيدروليكي كاشفا رزما من الوثائق وأقراصا صلبة وصورة صغيرة مؤطرة لامرأة مسنة
استدرت على الكرسي لأواجه فارد قلت ببساطة انفتحت
لم يصرخ أحد لم يحتفل أحد
انفجرت الغرفة بصمت مطلق
تبادل الفنيون نظرات عاجزة ينظرون تارة إلى الخزنة وتارة إلي أنا الطفلة التي احتقروا وجودها قبل دقائق
اقترب فارد من الخزنة التقط الأوراق التي يحتاجها قلبها بسرعة ثم أدار وجهه إلي لم يبق في عينيه أثر سخرية كان هناك
شيء آخر احترام وربما شيء يشبه ال
همس لقد فعلتها
قلت وأنا أهز كتفي إنها مشكلة تأخير زمني أي شخص حاول يوما تشغيل جهاز قديم في مكتبة عامة يعرف هذا
شد فارد سترته ببطء تغيرت أجواء الغرفة الخطر زال لكن حقيقة وعده بقيت معلقة في الهواء كغيمة لا تعرف إن كانت مطرا أم صاعقة
قال وكأنه يتذوق الكلمات مئة مليون دولار
ضحك الفنيون من جديد هذه المرة بثقة أكبر مزحة جميلة يا سيدي سنعطي الطفلة بعض الدولارات ثم نستدعي الأمن ليخرجوها
نزلت من الكرسي كنت أعرف كيف يعمل العالم الأغنياء لا يهبون ثرواتهم لمن يس,مونهم قمامة الشارع كنت حصلت على شطيرتي وهذا وحده أكثر مما توقعت حين استيقظت صباحا
قلت وأنا أستدير نحو الباب شكرا على الطعام
كنت أتمسك بكرامتي هي الشيء الوحيد الذي بقي لي نظيفا ولم أكن سأتركهم يسرقونه مني بالتسول لوعد لا ينوون



