
أما والده فكان ينظر إلى الأرض بصمت. همس ماتيو بصوت مكسور:
— أبي…؟
رفع دون إرنستو رأسه ببطء. استغرق الأمر ثواني قبل أن يتعرّف على ابنه. — ماتيو…؟ ركض ماتيو نحوهما وركع على ركبتيه. — ماذا حدث؟! لماذا أنتما هنا؟! بدأت دموع أمه تنزل بصمت. أما والده فتنهد بعمق وقال: — كارلوس طردنا من البيت. شدّ ماتيو قبضتيه. — ماذا تقصد طردكم؟! أجاب الرجل العجوز بصوت متعب: — قال إن البيت لم يعد لنا… وإن الأرض أصبحت باسمه. صاح ماتيو: — هذا مستحيل! نظر إليه والده بحزن. — قال إنك وقعت الأوراق.
شعر ماتيو وكأن الأرض تهتز تحته. كارلوس…
ابن عمه الذي نشأ معه كأخ.
هو من فعل هذا. نظر إلى الدلو أمامهما مرة أخرى. — لماذا… تأكلان هذا؟ أجابت أمه بصوت خافت: — لأنه الشيء الوحيد الذي وجدناه هنا. في تلك اللحظة شعر ماتيو أن الدم يغلي في عروقه. وقف ببطء. ثم قال بصوت هادئ… لكنه مخيف: — أين كارلوس الآن؟ نظر والده إليه. — في البيت… بيتنا. أخرج ماتيو الورقة المطوية من جيبه. تذكرة اليانصيب. نظر إليها لحظة… ثم أعادها إلى جيبه. وقال: — حسنًا. ثم التفت نحو الشاحنة.
— حان وقت استعادة كل شيء. لم يكن كارلوس يعلم أن الرجل الذي طرده من القرية منذ سنوات… عاد اليوم ليس كعامل بناء فقير. بل كرجل يستطيع أن يغيّر مصير القرية كلها. لكن الشيء الذي لم يتوقعه كارلوس أبدًا… هو ما كان ينتظره عندما فتح باب البيت بعد ساعة. لأن ماتيو لم يأتِ وحده. بل جاء ومعه… الشرطة. وما كشفه ماتيو في تلك الليلة أمام الجميع… سيجعل كارلوس يتمنى لو أنه لم يلمس تلك الأرض أبدًا.
اندفعت شاحنة ماتيو عبر الطريق الترابي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن قلبه مليئًا بالحماس كما كان قبل ساعات… بل بالغضب. كان والده ووالدته يجلسان في المقعد الخلفي، صامتين. أصرّ ماتيو على أن يصحبهما معه أولًا إلى الطبيب في القرية المجاورة. بعد الفحص، أكد الطبيب أن سوء التغذية هو السبب في ضعفهما. لم يقل ماتيو شيئًا طوال الطريق.
لكن عندما انتهى كل شيء، توقف أمام مركز الشرطة الصغير في القرية.
دخل بهدوء، ووضع أمام الضابط نسخة من الأوراق التي كان يحتفظ بها منذ سنوات. كانت وثائق الملكية الأصلية للأرض والبيت. قال الضابط بعد أن تفحّصها: — هذه الأرض ما زالت باسم والدك… لم يتم نقلها قانونيًا. رفع ماتيو رأسه ببطء. — إذن الأوراق التي استخدمها كارلوس… مزوّرة؟ أومأ الضابط. — على الأرجح. بعد أقل من ساعة، كانت سيارة الشرطة تقف أمام البيت الذي نشأ فيه ماتيو. البيت الذي استولى عليه كارلوس. طرق الضابط الباب بقوة.
فتح كارلوس الباب وهو يبتسم… لكنه تجمّد عندما رأى ماتيو. — ماتيو…؟! قال ماتيو ببرود: — مرحبًا يا ابن العم. ثم رفع الضابط الورقة وقال: — كارلوس ريفاس، أنت متهم بتزوير وثائق ملكية والاستيلاء غير القانوني على ممتلكات. اختفى اللون من وجه كارلوس. — هذا… هذا سوء فهم! لكن الضابط لم ينتظر تبريره.
وضع الأصفاد في يديه أمام أعين الجيران الذين بدأوا يتجمعون.
كان الصمت يملأ المكان. اقترب ماتيو من الباب، ودخل البيت ببطء. كان كل شيء كما تركه قبل سنوات… صور العائلة على الجدار… الطاولة الخشبية القديمة… وكرسي والده قرب النافذة. استدار نحو والده وقال: — البيت ما زال بيتك يا أبي. لم يقل دون إرنستو شيئًا. لكنه وضع يده على كتف ابنه… وكانت تلك الحركة كافية. في الأسابيع التالية تغيّر كل شيء في القرية. رمّم ماتيو المنزل بالكامل. واشترى لوالديه أفضل علاج وطعام. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
فبدلًا من استخدام أموال اليانصيب لنفسه فقط، قرر أن يفعل شيئًا لم يتوقعه أحد. اشترى المعدات الجديدة للمزارعين الفقراء في القرية. وأعاد تشغيل المزرعة القديمة لتوظيف الشباب الذين كانوا يضطرون للهجرة للعمل في المدن. شيئًا فشيئًا، بدأت القرية تستعيد حياتها. وفي أحد المساءات، كان ماتيو يجلس مع والده أمام المنزل. قال دون إرنستو بهدوء:
— عندما كنت صغيرًا، قلت لك إن قيمة الرجل بما يحافظ عليه.
ابتسم ماتيو. — أتذكر. نظر الأب إلى الحقول الممتدة أمامهما وقال: — واليوم… أثبتَّ أنك فهمت ذلك. لم يكن فوز ماتيو باليانصيب هو الشيء الذي غيّر حياته حقًا. بل اليوم الذي عاد فيه إلى قريته… واكتشف أن أغلى ما يملكه الإنسان ليس المال. بل العائلة… والكرامة. النهاية.



