ظنّها زوجة العمر… فكانت نهايته بين الخېانة والطمع

ظنّها زوجة العمر… فكانت نهايته بين الخېانة والطمع

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالصفحة التالية

  يفسر.
وفي الوقت نفسه كانت أمل تفتح بابا آخر في حياتها.
تعرفت على نادر شاب في الثالثة والعشرين جاء يطلب مالا. رأت فيه شابا يمكن تشكيله والسيطرة عليه.
كانت تحدثه بثقة
أنا امرأة قوية اعتمدت على نفسي.
وحين سأل عن أحمد قالت بلا تردد
مجرد رجل مريض لم أستطع طرده.
ومع الأيام تشابكت الأمور أكثر واختلط الطمع بالأنانية.  

ثم جاء اليوم الذي لم يعد فيه أحمد إلى المنزل.
تظاهرت أمل بالبحث عنه كما لو كانت زوجة قلقة لا تعرف النوم. خرجت إلى باب المنزل أكثر من مرة وسألت الجيران بصوت مرتفع حرصت أن يسمعه الجميع
هل رأيتم زوجي خرج منذ الصباح ولم يعد أنا خائڤة عليه.
كانت تمثل دورها بإتقان. تضع يدها على صدرها وتتنهد وتكثر من الدعاء أمام الناس. بعض الجيران صدقوا قلقها وآخرون شعروا بأن في الأمر شيئا غير مريح لكن أحدا لم يكن يملك دليلا أو شجاعة للاتهام.
مر اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث
وأحمد لم يظهر.

مع مرور الوقت تغير الجو في الحي. لم يعد الأمر مجرد غياب شخص بل تحول إلى شعور ثقيل لا يفسر. باب أحد المحال ظل مغلقا على غير العادة رغم أنه كان يفتح يوميا. وبدأت رائحة غريبة تتسلل في ساعات متأخرة رائحة لا تشبه روائح القمامة ولا الطعام بل شيء أشد قسۏة على الأنف والقلب.
بدأ الجيران يتبادلون الهمسات.
قال أحدهم
هناك أمر غير طبيعي  

وقالت أخرى بصوت منخفض
الرائحة تزداد
لم يعد الصمت ممكنا.
تواصل أحد السكان مع الجهات المختصة لا بدافع الفضول بل خوفا مما قد يكون خلف الأبواب المغلقة. حضر رجال الشرطة وبدأوا بسؤال الجيران ثم توجهوا إلى المحل.
في تلك اللحظة كانت أمل واقفة بعيدا تراقب المشهد تحاول أن تمسك بثباتها. قلبها كان يخفق پعنف لكن ملامحها ظلت جامدة. أما نادر فكان يقف في زاوية أخرى يتجنب النظر في الوجوه وكأن الأرض ضاقت تحته.
وحين فتح الباب لم يعد هناك مجال للتأويل.
كانت الحقيقة أثقل من أن توصف وأقسى من أن تحتمل.

انكشفت القصة كاملة لا كما أرادت أمل أن تروى بل كما حدثت فعلا.
في تلك اللحظة سقط كل شيء.
سقط التمثيل وسقطت الأكاذيب وسقطت الأقنعة التي ظن أصحابها أنها محكمة الإغلاق.
انتهى كل شيء.
جلس نادر وأمل في غرف التحقيق كل منهما في مواجهة ذاته قبل أن يواجه الأسئلة. حاول كل واحد منهما أن يلقي بالمسؤولية على الآخر لكن التناقضات كانت واضحة والكلمات المرتبكة كشفت ما حاولوا إخفاءه.
سألهم المحقق بهدوء
أين أحمد  

ساد الصمت.
صمت طويل ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس متسارعة ونظرات هاربة. لم يصمد الصمت طويلا. بدأت التفاصيل تظهر جملة بعد أخرى واڼهارت الروايات واحدة تلو الأخرى. لم يعد هناك مجال للإنكار ولا فائدة من التبرير.
أما أحمد فلم يكن حاضرا ليدافع عن نفسه.
رجل فقد بصره ثم فقد كرامته ثم فقد حياته فقط لأنه وثق
وأحب وسلم زمام أمره لمن لم تر فيه إنسانا بل وسيلة لتحقيق الطمع.
لم يكن ضعيفا في جوهره بل كان طيبا أكثر مما ينبغي. لم يخسر لأنه أخطأ بل لأنه لم يتخيل أن القسۏة قد تأتي من أقرب الناس.

وهكذا انتهت قصة أحمد لكنها لم تنته في ذاكرة من عرفوه. بقيت صورته في أذهان الجيران وفي أحاديثهم وفي ذلك السؤال المؤلم الذي ظل يتردد بينهم  

كيف وصل به الحال إلى هذا المصير
وتبقى هذه القصة درسا قاسېا لا ينسى
أن الطمع قد يرتدي ثوب القرب
وأن القسۏة لا تبدأ فجأة بل تنمو بصمت
وأن الثقة حين تمنح في غير موضعها قد تتحول إلى أقسى أنواع الخذلان
وأن الظلم مهما طال لا بد أن ينكشف ولو بعد حين.
وتبقى الحقيقة الأشد ۏجعا
أن بعض الضحايا لا يهزمون لأنهم ضعفاء
بل لأن قلوبهم كانت أنقى من أن تتوقع هذا القدر من الشړ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى