
المكان كان أهدى مما توقعت، وكأن الهواء نفسه واقف منتظر اللي هيحصل. كنت ماشي بخطوات مترددة، حاسس إن كل خطوة بقرّبني من نهايتي، النور الخافت من عمود الشارع الوحيد كان بيترعش كأنه بيحذرني، لكن ماكنش عندي أي طريق تاني، كأن القدر بيزقني غصبًا. ولما وصلت لحد البوابة المكسورة، حسيت بإحساس خانق بيضغط على صدري ويقولي ارجع فورا، بس رجلي كانت مكملة لوحدها.
وقفت قدام المبنى المهجور اللي كنت أقسم ماقرب له تاني مهما حصل. ريحة الرطوبة ضربت في وشي، وصوت الريح وهي بتخبط في الشبابيك المكسورة كان بيدخل في العضم. كنت ببص حواليّ كل لحظة، مستنيها تظهر من أي زاوية، مستني صوتها، أنفاسها، أو حتى الرسالة اللي يمكن تبعتلي بيها آخر تهديد. قلبي كان بيدق بطريقة مخيفة، حسيت كأنه بيحاول يخرج من صدري ويجري لوحده.
وبينما كنت واقف، الموبايل هز في إيدي هزة خفيفة، رسالة قصيرة جدًا ظهرت على الشاشة، رسالة من نفس الرقم اللي هربت منه ليالي طويلة. الرسالة كانت مكتوبة كأنها واقفة جنبي: “أنا وراك… ادخل”. الكلمة الأخيرة سابت أثر في جسمي كأنها طلقة، وحسيت برجفة قوية بتطلع من رجليا وتوصل لحد دماغي. بدأت أتنفس بصعوبة، ومع ذلك لقيت نفسي بتقدم خطوة جوا المكان المظلم، خطوة كان ممكن تغيّر حياتي أو تنهيها.
دخلت المبنى، وكل صوت في المكان كان بيتضخم ويتحول لصدى مرعب. خطواتي كانت بتتكرر كأن حد تاني ماشي ورايا بنفس الإيقاع. كل ما أقرب لجوه أكتر، الإضاءة تقلّ، والهدوء يزيد لحد ما حسيت كأني دخلت عالم تاني مش تبع البشر. فجأة، الباب اللي ورايا اتقفل بصوت عالي خلى قلبي يقع في رجلي، والظلام بقى أعمق من أي حاجة شفتها في حياتي.
كنت واقف ثابت، مش قادر أتحرك ولا حتى أتنفس طبيعي، وكل اللي سمعته بعدها كان همس خفيف جاي من فوق، همس بيقرب أكتر وأكتر لحد ما بقي فوق وداني مباشرة. نفس الصوت اللي كنت بسمعه في المكالمات، نفس الشهقة اللي كنت أعرفها، بس المرة دي كان فيها غضب، غضب يخوّف أي إنسان. حاولت ألف وأشوف، لكن رجلي كانت متسمرة في الأرض كأني مربوط بسلاسل مش شايفها. وكل جزء في جسمي كان بيصرخ اهرب لكن عقلي واقف مكانه.
ثواني بعدها، حسيت بلمسة باردة على كتفي، برودة أقرب لبرودة الموت نفسه. اللمسة كانت تقيلة كأن حد واقف ورايا، حد له وزن، له وجود، مش خيال. قلبي كان على وشك يوقف من الرعب، وعينيا دمعت من شدة الخوف، لكني لفيت بالعافية، لفيت بالعافية وأنا مستعد أشوف أي شيء… إلا اللي شوفته. كانت واقفة قدامي، شكلها نفس الشكل اللي كنت بحبه سنين، بس ملامحها مش هي، ملامح غريبة ومش طبيعية، نصها بيبكي ونصها بيصرخ، وعنيها جاحظة بشكل يخوّف حتى الشياطين.
وقفت تبصلي فترة طويلة، فترة حسيت فيها إن الزمن نفسه وقف. كانت بتتكلم بس من غير صوت، شفايفها بس اللي بتتحرك، وكأنها بتقول كلام مش مخلوق للبشر يسمعوه. وبعدها بثواني نطقت كلمة واحدة مسموعة، كلمة خلتني أنهار من جوا: “اتأخرت”. بعدها الدنيا كلها اتشوشت قدامي، صوت ضحك عالي، وصدى خطوات كتير بيدور حواليّ من غير ما أشوف حد، كأن المكان اتملّى بأرواح مش شايفها.
حاولت أمسك الموبايل، يمكن اتصل بحد، يمكن ألاقي نور، أي حاجة، لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إنه وقع مني على الأرض. الضوء بتاع الشاشة نَوّر جزء من الأرض، وبالصدفة نَوّر حاجة غريبة جدًا… كانت رجليها مش ملامسة الأرض. جسمها واقف، لكنها مش واقفة… كانت معلّقة، كأنها بتحوم في الهوا، وده كان أسوأ مشهد شوفته في حياتي. كنت هصرخ لكن الصوت مخنوق، كأن حد ماسك حنجرتي.
بعد لحظات من الرعب اللي كنت خلاص هفقد فيها وعيي، النور اشتعل فجأة في الدور اللي فوق، نور أصفر ضعيف، لكنه كان كفاية يخليها تختفي بالكامل. اختفت كأنها دخان، كأنها ماكانتش موجودة، كأن كل اللي حصل كان حلم… لكن أثر لمستها كان لسه على كتفي، وبرودتها لسه في جلدي، ومكانها على الأرض لسه فاضي قدامي. فضلت واقف مش قادر أتحرك، لحد ما النور بدأ يطفي ويولع لوحده، كأنه بيبعتلي إشارة أطلع فوق.
جمعت شجاعتي بالعافية، وطلعت السلم الخشبي اللي كان بيصرّخ تحت رجلي. لما وصلت للدور اللي فوق، لقيت غرفة واحدة بابها مفتوح شوية. قربت منها وأنا مش عارف هل بدخل برجلي ولا بدخل بروحي. الباب فتح لوحده، وبمجرد ما نَوّر الموبايل شفت منظر خلاني أرجع خطوتين لوراء… كانت صورتها، صورتها اللي اتصورتها معايا قبل ما تموت، محطوطة على الأرض، حواليها خطوط غريبة مرسومة كأنها طقوس. وعند الصورة كان في موبايل… موبايلها.
مسكت الموبايل بإيدي المرتعشة، ولما لمسته اشتغل لوحده. الشاشة نورت، ظهرت رسالة واحدة بس، رسالة هي اللي خلصت كل حاجة وفسرت كل حاجة:
“أنا ماكنتش عايشة بعد الحادث… لكن في حد تاني كان عايزك، واستخدم صوتي”.
الجملة دي ضربت عقلي زي صاعقة، حسيت كأني واقع في حفرة مالهاش آخر. كل المكالمات، كل الرسائل، كل الزيارات الليلية… ماكانتش هي. كان شيء تاني، شيء استخدم صورتها وصوتها وذكرياتي معاها عشان يقرب مني. وبعدها بلحظات، الموبايل فصل وما اشتغلش تاني.
لكن قبل ما أمشي من المكان، سمعت صوت ضعيف جاي من آخر الغرفة. الصوت كان مختلف… أهدى، وأنعم، وأقرب للصوت اللي كنت أعرفه. قالت جملة واحدة بس، جملة خلت الدموع تنزل على خدي:
“اهرب… قبل ما يرجع”.
خرجت من المبنى وأنا بجري، قلبي هيوقع، ونفَسي متقطع، ولحد النهار ده… كل ما ييجي الليل، يجيني إشعار غريب على الموبايل…
“شبكة جديدة اكتُشفت: شهد“.



