
تجمّدت زينب في مكانها، وأحست أن الأرض تدور من تحتها. ماذا تعني أختها؟ حاولت أن تسألها، لكن أمينة دفعتها بعنف وسارت مبتعدة وهي تضحك بخبث. عادت زينب إلى الكوخ وهي تترنح، وكل خطوة كانت كأنها تسير وسط ضباب كثيف من الخوف والشك. كانت كلمات أختها تتردد في رأسها كصدى بعيد لا يهدأ: “لو كنتِ تبصرين، لعرفتِ من يكون حقًا.”
في تلك الليلة، بقيت زينب صامتة أكثر من المعتاد. كان يوسف يحدّثها، لكنها لم تجب إلا بكلمات قصيرة. لاحظ قلقها وسألها برفق عمّا يضايقها، لكنها اكتفت بالقول إنها متعبة. ابتسم وقال إنه سيفاجئها بشيء جميل قريبًا. لم تعرف إن كان ذلك سيبدد قلقها أم يزيده.
مرّت أيام قليلة بعدها، وبدأت تشعر بتغيّرٍ غريب في نبرة صوته، بين الحنان والحزن. حتى الجيران صاروا يتهامسون حين يمرّ، لكنها لم تفهم السبب. وفي إحدى الأمسيات، طرق رجل غريب الباب وسلّم رسالة إلى يوسف، فقرأها بصمت ثم جلس طويلاً دون أن ينطق بحرف واحد.
سألته زينب بخوف:
هل حدث شيء؟
قال بعد تردد:
ربما حان الوقت لتعرفي من أنا حقًا… لكنني خائف من أن تكرهيني بعد أن تعرفي الحقيقة.
ما الذي يخفيه يوسف؟ وهل كانت كلمات أختها نبوءة أم خدعة؟
اقترب منها يوسف وأمسك يديها بحنان، وقال بصوتٍ مرتجف:
“اسمي الحقيقي ليس يوسف… كنت ضابطًا في الجيش، واتُّهمت ظلمًا في قضية سرقة فهربت متخفيًا. كنت أعمل شحاذًا لأعيش وأخفي ملامحي عن الذين يطاردونني.”
أحسّت زينب بأنفاسه تختنق، وقال: “حين رآني والدك في المسجد، عرض عليّ الزواج منك كأنه يتخلّص من عبء، ولم أستطع الرفض… لأنني رأيت فيك شيئًا نقيًا وسط عالم قاسٍ.”
لم تستطع زينب التكلّم. سكتت طويلاً ثم قالت بصوتٍ خافت:
“أنت الوحيد الذي رآني بقلبه، لا بعينيه. كيف أكرهك؟”
كانت الدموع تنساب على وجهها، وابتسم يوسف لأول مرة منذ زمن. لكن فرحته لم تدم، إذ سُمعت أصوات سيارات تقترب من الكوخ، وصيحات رجال ينادونه باسمه القديم.
التفت إليها بسرعة وقال:
“ربما لن أعود، لكن تذكّري دائمًا أن العمى الحقيقي ليس في العينين بل في القلوب.”
ثم خرج مسرعًا نحو الباب، تاركًا خلفه صدى خطواته ودموع زينب التي كانت تشقّ طريقها بصمت في الظلام.
مرت سنوات، ولم يعد يوسف، لكن زينب ظلّت تذكر صوته، وتعيش على كلماته. كانت تجلس عند النهر وتتمتم:
“هو لم يكن شحاذًا… كان قدري الجميل الذي علّمني أن أرى العالم من دون عيون.”



